الرئيسية / مدن جزائرية / مدينة وهران معلومات وتفاصيل

مدينة وهران معلومات وتفاصيل

وهران (تنطق باللهجة المحلية: وهرن)؛ الملقبة بــالباهية هي ثاني أكبر مدن الجزائر بعد العاصمة وإحدى أهم مدن المغرب العربي، تقع في شمال غرب الجزائر على بعد 432 كيلومترا عن الجزائر العاصمة. مطلة على خليج وهران في غرب البحر الأبيض المتوسط، ظلت المدينة منذ عقود عديدة ولا تزال مركزا اقتصاديا وميناءً بحريًا هامًا.

يحدها من الشمال خليج مفتوحة ومن الغرب جبل مرجاجو (420 متر) وهضبة مولاي عبد القادر الجيلاني. يقع تجمع المدينة على ضفتي خور وادي الرحي (جمع رحى) المسمى الآن وادي رأس العين. بلغ عدد سكان البلدية 852,000 نسمة في عام 2009 في حين يبلغ عدد سكان الحاضرة 1.648.642 نسمة، كما تبين أن ميزانيتها وصلت إلى 4,8 مليار دينار جزائري سنة 2008.

شّدت المدينة منذ القدم اهتمام الحضارات المختلفة وأطماعها، فتقلب حكمها بين سلالات حاكمة محلية من عرب وأتراك عثمانيين وبين محتلين إسبان وفرنسيين وضع كل منهم بصمته لتزين به المدينة فسيفساءها التراثي والثقافي. بعد استقلال الجزائر شهدت المدينة تطورات مهمة جعلت منها ثاني مدن البلد وقطبًا اقتصاديًا وعلميًا مهمًا. تنوع النشاط الاقتصادي فيها من صناعات كبيرة وصغيرة استفاد من مجاورتها لمدينة أرزيو النفطية، كما أصبحت المدينة قطبًا تجاريًا بفضل مينائها البحري النشط الذي شكل المنفذ الأساسي للتجارة الخارجية لكل الناحية الغربية للجزائر.

الثقافة الوهرانية صنعت للمدينة سمعة إقليمية وعربية وحتى عالمية. فاشتهرت المنطقة بشعراء ما يسمى بالملحون الذي شكل المعين الذي غرفت منه الأغنية الوهرانية عبر شيوخ الوهراني وأغنية الراي لاحقا لتصل به لآذان العالم عبر شباب المدينة. كان للمسرح أيضا نصيب تشهد عليه مسرحيات عبد القادر علولة وغيره. هذا التنوع جعل من المدينة مكان جذب للسياح فلا تزار الجزائر دون زيارة وهران. وقد فتح هذا المجال للاستثمار في البنية التحتية لقطاع السياحة فتعددت الفنادق الفخمة والمنتجعات السياحية التي استغلت جمال شواطئ المنطقة.

التسمية

وفقا للتفسير الأكثر شيوعا بين العامة، فكلمة «وهران» هي مثنى اللفظة العربية “وهر” وتعني الأسد. غير أن كلمة وهر لا تعني أسد حسب لسان العرب والصحاح في اللغة والقاموس المحيط وغيرها، إضافة إلى أن أغلب المؤرخين لم يوردوا هذا التفسير. لذا فإن من المرجح أن يكون الاسم من أصل أمازيغي، نسبة إلى واد الهاران أو إلى أسود الأطلس التي كانت تعيش في المنطقة والذي ورد اسم كل منهما في التاريخ بتهجئات مختلفة.

الأسطورة تحمل تفسيرا للرواية الأولى وتقول أنه تم اصطياد الأسود الأخيرة لهذا الساحل المتوسطي في الجبل المجاور لوهران المدعو “جبل الأسود”. وأعطى للمدينة هذا الاسم صائد الأسود السابق سيدي معقود المهاجي تكريماً لأسدين قام بترويضهما. ولقد تم تنصيب تمثالين برونزيين كبيرين لأسدين أمام مقر البلدية في إشارة إلى اسم المدينة. وضريح (قبة) سيدي معقود المهاجي يوجد في مقبرة سيدي الفيلالي في حي الصنوبر.

يُذكر أن وهران كانت تعرف سابقا باسم “إيفري” وتعني باللغة الأمازيغية الـكهف وهي تسمية مرتبطة دون شك بالكهوف العديدة المتواجدة بالتلال المحيطة بوهران.

الجغرافيا

الموقع

تقع وهران في الطرف الغربي للضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط على خليج وهران. يحدها من الغرب جبل مرجاجو والذي يفصلها عن بلدية المرسى الكبير. من الجنوب تحدها بلدية السانية في هضبة مولاي عبد القادر الكيلاني (مول المايدة)، أما من الجنوب الغربي فتحدها سبخة كبيرة. بئر الجير هي أحد ضواحيها.

إلى الغرب من وهران يرتفع جبل مرجاجو بسفوح وعرة مخددة، وهو يتألف من صخور الشيست والكواتزيت (العصرين اللياسي والجوراسي) ويرتفع لأكثر من 500م بشكل شبه شاقولي. وعلى سفوح هذا الجبل وبالقرب من الأحواض القديمة تنتشر أحياء قديمة مثل حي بلانتور ورأس العين.

المناخ

تتمتع وهران بمناخ متوسطي تقليدي يتميز بصيف جاف يلطفه نسيم البحر، وشتاء معتدل وسماء صافية ومشرقة. يصبح هطول الأمطار خلال أشهر الصيف نادرًا أو منعدمًا مع شمس مشرقة وسماء وصافية. يشهد الإقليم الوهراني ضغطًا جويًا مرتفعًا شبه استوائي لما يقارب أربعة أشهر في السنة. كما يشهد تساقطات معتبرة خلال فصل الشتاء. كان أدنى مستوى لهطول الأمطار حوالي 294 مم، بتردد 72.9 يوما في السنة. وتذبذب الأمطار هو إحدى سمات هذا المناخ المتوسطي.

المياه

لعبت قضية المياه دورا حيويا دائما في المدينة لأنها كانت دائما غير كافية ومالحة. إضافة إلى معدلات الهطول المنخفضة، لا توفر الموارد الجوفية للمدينة إمدادات كافية من المياه. كانت ولاية وهران عام 2002 من بين أقل ولايات الجزائر حفرًا لآبار المياه الجديدة (حفرت 18 بئرًا فقط).

يتم توفير المياه لوهران من عدة سدود بما في ذلك مستجمعات المياه في وادي تافنة الذي يقع على بعد حوالي 80 كيلومترا إلى الغرب من المدينة، ونهر الشلف الذي يبعد نحو 200 كيلومترا إلى الشرق من المدينة وذلك عبر نظام الماو حيث يوفّر هذا النظام أكثر من 155 مليون م³ من المياه الشروب سنويا، حيث يتضمن محطّة لمعالجة مياه وادي الشلف قدرتها الإنتاجية 560 ألف م³ يوميا، فيما تقام أحواض على مستوى ولايتي وهران ومستغانم لتجميع المياه إضافة إلى محطّات التخزين والتي تقدّر طاقتها بوهران بـ300 ألف م³. تتمتع ولاية وهران بهياكل لتحلية مياه البحر ولديها مخطط لبناء وحدة ببلدية المقطع تعتبر الأكبر في العالم بطاقة إنتاج تقدر بـ500,000 م³/يوم.

سبخة وهران الكبيرة الواقعة بـشط الشرقي (الحوض الهيدروغرافي بالإقليم الوهراني) تخضع لـاتفاقية رامسار. تغذي هذه السبخة شبكة هيدروغرافية معقدة تأتي من جبل مرجاجو في الشمال وتسالا من الجنوب. هذه الشبكة هي محل تجاذبات بين أنصار تطوير السهول الفلاحية الغنية المحيطة بها من جهة والمدافعين عن النظام البيئي من جهة أخرى. استفاد الجزء الشمالي من السبخة من توسع وتطور مدينة وهران ونشاطها الصناعي، مع أن هذا التطور أصبح مصدر تلوث كبير للسبخة وزاد من ملوحتها. الجزء الجنوبي على العكس مستغل بشكل ضعيف وبنيته التحتية متخلفة. دفع عدم وجود معلومات ودراسات عن المياه الجوفية والسطحية للبحيرة وزارة الموارد المائية لتقديم طلب دراسة شاملة عن هذا الموضوع سنة 2002.

النباتات والحيوانات

ليس لمدينة وهران أي منطقة ذات أهمية إيكولوجية خاصة بضواحيها. جبل مرجاجو والسبخة يضمان نباتات وحيوانات متوسطية مميزة. تغطي أشجار الصنوبر الحلبي جبل مرجاجو على مساحة 668 هكتار، كذلك هناك التين الشوكي والأغاف خصوصاً في المحيط المباشر لحصن سانتا كروز.

سبخة وهران أكبر سبخة في الغرب الجزائري، وهي تتكون من طبقة رقيقة من المياه الملحية وهي خالية من أي غطاء نباتي. في محيطها المباشر تنتشر نباتات تتكيف مع المناخ الجاف والأراضي المالحة، ومن هذه على سبيل المثال السويدا ميريتما، والأسل والكاميروبس والقليل من الـطرفاء النامية على أطراف السبخة.

في الإقليم الوهراني تعتبر السبخة المكان المفضل للطيور المهاجرة القادمة من جبل طارق في الغرب مثل الكراكي والزقزاقيات والنحام الأكبر الذي يفضل بشكل خاص المناطق الرطبة القليلة العمق. شهد تواجد النحام الأكبر والشهرمان تطوراً في السبخة.

الطوبوغرافيا

تقع وهران على دائرة عرض 35° 691′ شمالاً وخط طول 0° 642′ غرباً ويبلغ ارتفاعها عن مستوى البحر حوالي 60 مترًا. يقع تجمع المدينة على ضفتي خور وادي الرحي (جمع رحى لكثرة تواجدها على ضفافه) وعلى مساحة تقدر بخمسة وسبعون كم². ارتفاع المدينة يزيد بشكل ملحوظ بمجرد تخطي منطقة الميناء. بنيت الواجهة البحرية على ارتفاع40 متر فوق البحر، أما منحدرات قمبيطة فترتفع إلى أكثر من 50 متر. ترتفع المدينة بشكل بسيط لتصل إلى70 متر ثم90 متر بمحاذاة السانية. بنيت المدينة بشكل أساسي على هضبة من الحجر الجيري.

الإدارة

لأهميتها، شغلت وهران في أغلب العصور عاصمة للتقسيمات الإدارية لحكام المنطقة. فهي حاليا عاصمة للولاية والدائرة والبلدية إضافة للقبها بعاصمة الغرب الجزائري.

الدائرة التاريخية

دائرة سيدي الهواري المطلة على البحر هي المركز التاريخي للمدينة، تقع في شمال غرب المدينة على طول رأس العين على سفح جبل مرجاجو. هذه الدائرة تحتفظ بآثار تشهد على مرور عدة حضارات: الإسبانية، العثمانية والفرنسية. نجد الحصون الإسبانية التي تعود للقرن السادس عشر، مسجد الباشا من القرن الثامن عشر، قاضي بولحبال والي المدينة أنشأت له قبة سنة 1793 من قبل الباي العثماني، والذي بنى قصراً خاصاُ به أيضاً. يمكننا كذلك مشاهدة مقر الولاية الفرنسية السابقة العائد للقرن التاسع عشر بنهج ستالينجراد.

حي لاكالير أوت ولاكالير باس (بالإسبانية: La Calaira)‏ بسيدي الهواري هما حيين أنشآ من قبل الإسبان وكانا يمثلان حي الصيادين بالمركز التاريخي والتراثي لوهران وهدما سنة 1980. يجعل تاريخ وهران من لاكالير أول حي بالباهية.

الدوائر المحيطة

تحمل ولاية وهران الرقم 31 في الترقيم الإداري للجزائر وتضم 25 دائرة بها أكثر من نصف سكان الولاية. وهران هي المدينة الثانية في الجزائر لكنها تبقى الأصغر مساحة من بين ولايات الجزائر.

تجمع وهران المدينة

حاضرة وهران تضم العديد من البلديات منها اثنتان مدمجتان في نسيج المدينة:

بئر الجير: تمثل أهم مدن الضاحية الشرقية لوهران. في العهد الاستعماري كانت بلدية بابتيزي أركول تبعد عن وسط المدينة بثمانية كيلومترات. حافظت المدينة على خاصيتها الفلاحية حتى نهاية سنوات الثمانينيات من القرن العشرين. يبلغ عدد سكانها اليوم حوالي 118.000 نسمة، وهي أحد أهم أقطاب الحاضرة. فبها مقار العديد من المؤسسات المبنية على نمط العمارة الحديثة مثل مقر سوناطراك ومستشفى وهران الجامعي «1 نوفمبر 1954» وقصر المؤتمرات ومعاهد للتعليم العالي وقصر العدالة. كما يعتزم بناء ملعب ألمبي بسعة 50.000 متفرج.
السانية: هي أكبر مدينة بالضاحية الجنوبية لحاضرة وهران تبعد عن مركز مدينة وهران ب 7 كم. كانت تعرف في عهد الاستعمار الفرنسي بالسانية (بالفرنسية: Sénia)‏. تضم عدة مناطق صناعية، العديد من المعاهد الجامعية ومراكز البحث مثل المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية(بالفرنسية: CRASC)‏، ومركز الدراسات المغاربية بالجزائر(بالفرنسية: CEMA)‏، والمطار الدولي. ستكون السانية المحطة النهائية لترامواي وهران.
تمثل بعض البلديات فضاءً من جاذبية المدينة دون أن تكون جزءا من حاضرة المدينة. من هذه البلديات المرسى الكبير وعين الترك. تقع عين الترك على بعد15 كم إلى الشمال الغربي من مدينة وهران وتضم العديد من الهياكل الفندقية والمركبات السياحية. تغير المنظر الطبيعي للمدينة بسبب مشاريع الطرق السريعة، المنتجعات والمستشفيات، إلخ. على بعد 8 كم من هذه البلدية يوجد منتجع مركب الأندلسيات. أما المرسى الكبير فتقع إلى الشمال الغربي لوهران على بعد 7 كم، وهي مقر القوات البحرية الجزائرية ومينائها من أهم القواعد البحرية. تقع في شرق وهران بلدات كاناستيل (المنزه)، وعين فرانين، وكريشتل.

الجغرافيا الإدارية

تقسم وهران إلى 12 دائرة تسمى أيضاً «مناطق حضرية». لكل دائرة أو منطقة فرعها الإداري الخاص بها يديره ممثل منتخب للبلدية والذي يهتم بالمسائل الإدارية والتقنية والسياسية والاجتماعية.

حي سيد الهواري هو الحي التاريخي بامتياز، وهو يسمى أيضاً «بالأحياء الفقيرة» كما يعتبر «وهران القديمة» لأنه يحتوي على بصمة مختلف الحضارات والأقوام التي مرت بالمدينة: الإسبانية والعثمانية والاستعمار الفرنسي.

الدوائر الحضرية بوهران

في الجدول التالي تقسيم لأحياء وهران حسب الدوائر الحضرية:

التاريخ

ذكر الكثير من الباحثين والمؤرخين بأنه يلزم مئات الكتب للإحاطة بجميع الأبعاد الخفية لوهران. وهذا ما يفسر تنوع مواضيع الكتب حول المدينة، فبعضها يحكي تاريخها عبر القرون وأخرى تتحدث عن الحياة اليومية لوهران والوهرانيين.

وهران هي محطة التقاء الثقافات وزوال الفوارق. أدت الأحداث التي عانت منها المدينة عبر العصور إلى ظهور روح التسامح، ففيها تعايشت جميع العقائد الدينية والسياسية. حوار الحضارات مؤكد بها على الرغم من النكهة الدرامية التي تُضاف إلى الأحداث التاريخية والاضطرابات التي جرت بها

وهران قبل التأسيس

حقبة ماقبل التاريخ

أثبتت بحوث علم الآثار خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أن وهران كانت محل نشاط بشري خلال فترات ما قبل التاريخ. تم اكتشاف العديد من المستعمرات البشرية ومستعمرات الإنسان البدائي. آثار الأسلاف البشرية (حسب نظرية التطور) في تغنيف بالقرب من معسكر تعود لأربعمائة ألف سنة، كذلك مستعمرات كهوف كارتل كوشت الجير ومحجرة أكمول التي تعود للعصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث. يحوي متحف أحمد زبانة جناحا خاصا بالعصر الحجري الحديث تعرض فيه مجموعات صنعت من الفخار، والعظم، والحجر، منها على سبيل المثال: الأوعية، والمخارز، ورؤوس السهام والفؤوس المصقولة التي اكتشفت بمغارات جبل المرجاجو.

ظهرت قبل 21000 سنة مجموعة إيبيروموريسيين على بعد120 كم جنوب غرب وهران وذلك في منطقة وجدة، مغارة تافوغالت تحتوي على أكبر حقل معروف يعود لهذه الحقبة. استمرت هذه الحضارة وشملت كامل المغرب العربي قبل أن تبدأ بالاندماج تدريجياً حوالي الألفية التاسعة قبل الميلاد مع مجموعات قبصية لتشكل أسلاف الطوارق الأمازيغ (المعروفة في بعض الأحيان باسم «الرجل الأزرق»).

العصور القديمة

إذا كانت أسطورة الكتاب المقدس نسبت إلى يوشع بن نون والمتبع لشريعة موسى تهويد وهران والمغرب العربي، فقد دلت الآثار القديمة الأولى على أن قدوم أوائل اليهود يعود لعهد استقرار الفينيقيين في المنطقة، كما تشير دراسة المقبرة الكبيرة بقرب منتجع الأندلسيات التي يعود تاريخها لفترة الحضارة القرطاجية ما بين القرن الرابع والأول قبل الميلاد.

في حين اختار الفينيقيون خليج مداغ الصغير غرب وهران لإنشاء محطتهم التجارية، اختار الرومان موقع “المرسى الكبير” (باللاتينية: Portus Magnus؛ نقحرة: بورتيس ماغنيس) الواقع على بعد أربعون كيلومتر إلى الشرق بالمكان المعروف اليوم ببطيوة. كان كل من ميناء وهران والمرسى الكبير يعرفان خلال العهد الروماني بالميناء الإلهي (باللاتينية: Portus Divini). يونيكا كولونيا كانت منطقة وهران الرومانية تسمى “يونيكا كولونيا”، (باللاتينية: Unica Colonia)، بمعنى “المستعمرة الفريدة”. العديد من التماثيل القديمة التي وجدت في الإقليم الوهراني يمكن مشاهدتها بمتحف أحمد زبانة. خلال القرن الثاني للميلاد عرفت المنطقة هجرة لليهود من برقة ومصر مثل بقية المناطق المغاربية. حفز الوجود الروماني على وصول المسيحيين ويشهد على ذلك الكثير من مخلفات القرن الرابع للميلاد والتي يوجد بعضها في متحف وهران.

اختفاء يونيكا كولونيا

مع انهيار الإمبراطورية الرومانية سقطت المدينة بأيدي الوندال عام 445 من ثم في يد البيزنطيين سنة 533 م. شهدت المدينة ابتداءً من عام 541 م ظهور موجة طاعون عُرفت باسم “طاعون جستنيان”، وفي سنة 645 م، فتحها المسلمون

تأسيس وهران

بعد بقائها عدة قرون مهجورة ومع مطلع القرن الخامس للميلاد لم يبق شيء من يونيكا كولونيا. فاختلط الوضع وأصبحت خلجان هذا الساحل دون أي سلطة مستقرة ولا أي رقابة رسمية. سيطر الرستميون على المنطقة في الوقت الذي كانوا يعانون من مشاكل داخلية ونزاع مع الفاطميين فلم يكونوا قادرين على الدفاع عن مصالحهم فيها. بالنسبة للسلطات، كانت المنطقة شبه المهجورة بوهران وذات أهمية ثانوية فبقت دون أي سيطرة.

من ناحية أخرى، استعملت بحرية المرية تحت سلطة الأندلس شواطئ المغرب العربي بصفة موسمية للتجارة مع تيهرت، ومدينة تلمسان القريبة (الرستميين) وبالتدريج أصبحت هذه المستوطنات دائمة. بالتوازي رغب أمراء قرطبة الأمويين بالاستقرار على السواحل الإفريقية. ومع أولى بوادر تفكك الخلافة العباسية قرر عرب الأندلس تطوير محطات تجارية على شواطئ شمال أفريقيا وذلك نظراً لقوتهم آنذاك. وهكذا تأسست وهران في سنة 902، على يد البحارة الأندلسيين: محمد بن أبو عون، ومحمد بن عبدون، ومجموعة من البحارة بدعم من أمراء قرطبة، فجعلوا المدينة مركزًا تجاريًا مع تلمسان، وذلك بعد أن طوروا خليج المرسى الكبير.

الحقبة الإسلامية

بعد تأسيسها كانت وهران محل نزاع بين أمراء قرطبة الأمويين والفاطميين، فقد دام الصراع حول المدينة من سنة 910 حتى سنة 1082م، حيث خضعت لهؤلاء تارة ولأولئك تارة أخرى.

منذ العام 1000م كانت الجالية اليهودية موجودة ومنظمة في وهران، وفي هذه الحقبة كانت المكانة الإستراتيجية لوهران تفوق الجزائر وتلمسان. سنة 1077م سقطت المدينة بيد يوسف بن تاشفين مؤسس الدولة المرابطية وخضعت له لمدة 68 عام. وفي سنة 1145 وقعت وهران بقبضة قوات عبد المؤمن بن علي الكومي الموحدية المنتصرة في تلمسان وذلك بعد مقتل إبراهيم بن تاشفين ومحظيته عزيزة إثر انقلابهما وحصانيهما بأحد منحدرات جبل مرجاجو، عندما كانا يقصدان الميناء من أجل التوجه إلى الأندلس.

عرفت المدينة تحت حكم الموحدين فترة طويلة من الاستقرار والازدهار لأكثر من قرن طوروا خلالها الميناء وأحواض السفن. على الرغم من اضطهاد الموحدين، تطور المجتمع اليهودي فكانت هناك تجارة بين يهود غرب المتوسطي ويهود وهران في الفترة ما بين القرن الثاني عشر والقرن الرابع عشر.

بدأت إمارة الموحدين تنهار شيئا فشيئا، بعد أن حكمت المغرب العربي لعشرات السنين ليولد من رحمها في نهاية المطاف ثلاث سلالات حاكمة: الحفصيون في سنة 1230، والزيانيون في سنة 1235، والمرينيون في سنة 1258. أصبحت وهران تحت حكم الزيانيين منذ سنة 1228 عندما سقطت بيد يغمراسن بن زيان. فيما بعد أخد المرينيون المدينة وقدم أبو الحسن علي بن عثمان ليستقر بها عام 1347م.

«في أقل من نصف قرن مرت وهران تحت تسع سلطات مختلفة… نجح بن عباد في البقاء على رأس حكومة وهران، بشرط الاعتراف بتبعيته للحفصيين (1437)». احتضنت وهران بين أسوارها في هذا الوقت محمد التاسع الأيسر الملك الخامس عشر لمملكة غرناطة الذي أجبر على الفرار من رعاياه المتمردين. بعد وفاة بن عباد خضعت وهران لحكم الزيانيين وتحت هذا الحكم الجديد عرفت وهران ازدهاراً كبيراً، فقد أصبحت مركز لنشاط تجاري واسع ونشيط جداً. شهد على ذلك مارمو وألفاريس غوميس: «العاج، جلود النعام، جلود البقر المدبوغة، الذهب والحبوب هي مصادر ثروة السكان التي لا تنضب الذين برعوا أيضاً في صناعة الصوف والأسلحة البيضاء. أقدم سكان البندقية، بيزا، جنوة، مرسيليا وكتلونيا على شراء هذه المنتجات، ويسوقون الأقمشة، الخرز، الحديد والخردوات». كان بوهران آنذاك 6000 منزل، وعدّة مساجد رائعة، ومخازن كبيرة، ومباني تجارية جميلة كثيرة. عدة مباني بارزة تعود لهذه الفترة مثل تحصينات المرسى الكبير وربما ملاجئ روزالكزار.

خلال القرن الرابع عشر أصبحت وهران مركزاً فكرياً، حيث أقام بها العديد من الكتاب وتباهوا بمفاتنها، ومن هؤلاء:

ابن خلدون: «وهران متفوقة على جميع المدن الأخرى بتجارتها وهي جنة التعساء. من يأتي فقيراً إلى أسوارها يذهب غنياً».
الإدريسي: «وهران على حافة البحر، تواجه الميرية على الساحل الأندلسي ويفصلهما يومين من الإبحار. مرسى الكبير هو ميناء ليس له مثيل في كامل الساحل البربري، تقصده سفن الأندلس غالباً. وهران وافرة الثمار. سكانها هم رجال أفعال، أقوياء وفخورين».
ابن خميس: «المدينتين الساحليتين التين أعجبتاني في المغرب العربي هما وهران خازر وجزائر بولوغين».
ليون الإفريقي: «وهران مدينة كبيرة تتوفر على مرافق وجميع أنواع الأشياء الائقة بمدينة طيبة كالمدارس، الحمامات، المستشفيات والفنادق، يحيط بالمدينة سور جميل عال».
في أول ترحيل لليهود من إسبانيا عام 1391، اتجه اليهود السفارديون نحو المغرب العربي. وفي سنة 1492 وبعد صدور مرسوم الحمراء، استقل اليهود السفارديون والمرانسميون 25 سفينة في ميناء سانتا ماريا بقادس متجهين إلى وهران. كانت وهران في هذه الحقبة جمهورية بحرية، دولة مدينة تعد بمثابة إمارة منفصلة عن الزيانيين، وكانت المدينة في حالة حرب ضد سيادة الدولة الزيانية والسكان رفضوا ان يكون لها محافظ في المدينة، فهم يختارون كل سنة قاضي القضاة ومستشارين لحكومة المدينة. واقتصرت صلاحيات محكمة تلمسان على تحصيل الضرائب.

ابتداءً من عام 1493 استضافت وهران عدداً كبيراً من اللاجئين الناصريين بعد سقوط الأندلس. كانت الرغبة بالانتقام، واستعادة الأراضي المسلوبة، وعدد اللاجئين الكبير، هو ما جعل الساحل الجزائري نقطة انطلاق لعدد كبير من الهجمات ضد إسبانيا المسيحية. مع مطلع القرن السادس عشر كان الملوك الكاثوليك في عز قوتهم فقرروا ضم العديد من الموانئ الجزائرية. أدى التدخل العسكري العثماني إلى إجلاء الإسبان عن الموانئ المحتلة باستثناء ميناء وهران (1509-1708) والمرسى الكبير (1505-1792).

الحقبة الإسبانية

أرسل البرتغاليون حملة على شاطئ الأندلسيات في شهر يوليو سنة 1501، وذلك قبل أربع سنوات من وصول الإسبان. فيما بعد، وبالتحديد في عام 1505، رست السفن الإسبانية بالمرسى الكبير في أول حملة لها على وهران. في هذه المرحلة كان بوهران 6000 مسكن أي حوالي 25.000 مواطن. بتاريخ 17 مايو سنة 1509، وفي صبيحة سقوطها، فرغت وهران من سكانها الذين هجروا، واحتلتها بالكامل القوات الأسبانية. هتف الكردينال غونزالو سيسنيروز بعد مشاهدة المدينة التي جاء لضمها للملوك الكاثوليك: «هذه هي أجمل مدينة في العالم». في نفس السنة قام ببناء كنيسة القديس لويس التي تشرف على المدينة القديمة وذلك على أنقاض مسجد ابن البيطار.

قام الحاكم كونت ألكوديت عام 1554 بإبرام تحالف مع محمد الشيخ سلطان السعديين في المغرب الأقصى ضد العثمانيين الذين تموقعوا في الجزائر، فتمكن من الحفاظ على الوجود الأسباني. بدأ الأسبان أعمال الترميم في القلعة المخصصة كمقر لحكام المدينة، فجعلوا تحصيناتها (القصبة) تتألف من جدار متواصل تعلوه أبراج قوية متباعدة فيما بينها، وقد أسس الحاكم الإسباني مقره الرئيسي في هذا الجانب. خلال القرن السادس عشر جعل الإسبان من وهران معقل لهم فبنوا فيها سجن على نتوء صخري بالقرب من ميناء المرسى الكبير، قبل أن يشرع المركيز سانتا كروز عام 1563 في بناء قلعة تحمل اسمه على قمة العيدور، الذي سماه الحكام الجدد للمدينة مرجاجو. عام 1568 شهدت المدينة زيارة دون خوان النمساوي القرصان الأوروبي المعروف والذي قضى فيها يومين تفقد فيها تحصينات المدينة.

انطلاقاً من سنة 1609 وبعد صدور مرسوم الطرد من إسبانيا رست عدة أفواج من الموريسكيين بوهران حيث استقر العديد منهم بالمنطقة. وفي 1669 جاء دور اليهود الذين اعتبروا أعداء للملة ليتم طردهم من أحياء راس العين ورافان بلون، وقد استقر البعض منهم بجبل الكرنيش العلوي.

بالرغم من التحصينات تعرضت المدينة لإعتداءات مستمرة اقتربت من محيط أسوارها. عام 1707 قام مولاي إسماعيل سلطان العلويين في المغرب الأقصى بمحاولة اقتحام تحصينات روزالكزار لكنه رأى جيشه يهلك أمام الجيش الجزائري بقيادة حسين خوجا الثاني حاكم الجزائر. عام 1708 ألحق الباي مصطفى بن يوسف وهران التي أصبحت تقريباً مهجورة بإيالة ومملكة الجزائر. وفي عام 1732 استعاد الإسبان السيطرة على المدينة.

خلال تلك الفترة شهدت وهران حركة نمو متواصلة أجبرتها على التوسع خارج أسوارها التي تهدمت تدريجياً، وبحلول عام 1770 كان بوهران 532 منزل خاص و42 صرح معماري، ووصل عدد سكانها إلى 2.317 شخص زائد 2.821 مرحّل حر يعيشون من التجارة. بين عاميّ 1780 و1783 اقترح كارلوس الثالث ملك إسبانيا على إنجلترا مبادلة وهران بجبل طارق لكن زلزال عام 1790 والحرائق التي تبعته خلّف 3000 ضحية ودمر المدينة بأكملها. أصبحت المدينة خطرة جدا واستحالت إعادة بنائها والدفاع عنها مكلفة للغاية للعاهل الإسباني الملك كارلوس الرابع الذي بدأ مفاوضات مع داي الجزائر العاصمة لأكثر من عام من أجل تسليمها له. بعد حصار طويل وزلزال جديد حلحل دفاع الإسبان استلم الباي محمد بن عثمان (الملقب بمحمد الكبير) السلطة في المدينة بموجب معاهدة وقعت في 12 سبتمبر 1792.

انقسمت فترة الحكم العثماني لوهران على فترتين. تبدأ الفترة الأولى من سنة 1708 إلى سنة 1732 أما الفترة الثانية فمن سنة 1792 إلى سنة 1830.

الفترة الأولى (1708-1732)
بدأت بتحرير مصطفى بوشلاغم مؤسس مدينة معسكر بأمر من داي الجزائر بتاريخ 20 يناير، بعد أن ظلت وهران لفترة آخر نقطة صامدة للإسبان على السواحل الجزائرية، وقد جعل منها بوشلاغم عاصمة جديدة لبايلك الغرب الذي كان يحكمه من معسكر. وظل بوشلاغم حاكما لوهران بدون مشاكل حتى سنة 1732 عندما عاود الإسبان الهجوم على المدينة واستطاعوا دخولها في حين لجأ بوشلاغم إلى مستغانم.
الفترة الثانية (1792-1830)
تبدأ بعد توقيع الإسبان لاتفاقية بالتنازل عن المدينة مقابل السماح لهم بأخذ المدافع والذخيرة. وبذلك دخلها محمد الكبير أوائل مارس 1792. ويذكر بعض المؤرخين أن من أسباب التنازل العبء الذي كانت تمثله المدينة على إسبانيا خاصة في ظل عدم الاستقرار وتراجع أهمية الميناء، أضف إلى ذلك الزلزال الذي ضرب المدينة ليلة 8 إلى 9 أكتوبر 1790 والذي دمر جزءا هاما منها تبعه حريق وعمليات سطو.
عام 1793 انطلقت أشغال بناء مسجد الباي محمد الكبير، الذي كان مدرسة ومقبرة عائلية للباي، في نفس السنة قام ببناء قبة والي المدينة باسم قاضي بولحبال. عام 1796 بنى العثمانيين من مال فداء الأسرى الإسبان مسجد سموه مسجد الباشا والذي سمي تكريماً لحسن باشا داي الجزائر، بعد رحيلهم كان سيدي محمد الساني المهاجي أول أئمة المسجد، والأخير كان مستشار لباي وهران ومفتش رئيسي في عهد الباي محمد الكبير. عام 1800 حصل بن عبد القادر بن عبد الله المهاجي على منصب قاضي وهران واستمر يشغله حتى وفاته.

الاستعمار الفرنسي

في 4 يناير 1831 دخل الجنرال شارل-ماري دينيس دامريمون قائد البعثة الفرنسية وهران التي كانت لا تزال تحمل آثار الزلزال الذي ضربها عام 1790 والذي دمرها بشكل كبير. وفي 17 أغسطس من نفس السنة أسس الجنرال فودواس حامية منها الكتيبة الرابعة بالفيلق الأجنبي وجعل من وهران منطلقا لغزو الجنوب الوهراني.

ذكر القائد داريان، أن أول محاولة إحصاء جرت عام 4 فبراير 1832، ووصلت إلى نتيجة أن بالمدينة 3856 ساكنا بينهم 2876 من اليهود و730 من الأوروبيين و250 ما سمتهم بالمسلمين (التسمية التي تشير للجزائريين). ومن ضمن 3856 ساكنا هناك 318 شخصا وصفوا على أنهم خدم. وفي حين أن مصادر أخرى تحدثت عن قرابة 18 ألف نسمة، ما يجعل الباحث يصل إلى نتيجة أن محاولة الإحصاء تلك لم تشمل كل الساكنين لسبب من الأسباب. فقد يكون السبب فرار أهل وهران عند دخول المحتل واللجوء للمرتفعات فلم يبقى إلا الحي اليهودي. وقد يكون ضعف القائم على الإحصاء مفتش الشرطة بيجول الذي عين في هذا المنصب حديثا ووجد صعوبات في أداء عمله فاستقال سريعا وكانت محاولة الإحصاء هاته العمل الوحيد المذكور له. أو كل هذه الأسباب مجتمعة وغيرها.

وكانت الخطوات الأولى للإدارة العسكرية هدم البيوت التي تخفي الوجهة الشرقية بين شاطوناف وحصن القديس فيليب ثم تلك التي على تل رأس العين للتقليل من خطر الكمائن. انطلاقاً من 17 أبريل 1832 نشبت معارك متفرقة بين الحامية الفرنسية في وهران بقيادة الجنرال بوير والشيخ محي الدين وابنه الأمير عبد القادر الجزائري. في 11 نوفمبر صدت الحامية بقيادة كروس أفيناس هجوما كبيرا. بايعت قبائل نواحي معسكر عبد القادر بن محي الدين ذي 24 ربيعا سلطانا وقائدا للجهاد والمقاومة ضد الغزو الفرنسي واعترف به “أميرا للمؤمنين”.

وقع الأمير عبد القادر في 4 يوليو 1834 على معاهدة دي ميشال، ثم وسع قبضته عندما اعترفت معاهدة تافنة بإمارة الجزائر في مايو 1837 ليكرس سلطته على ثلث البلاد الجزائرية بما فيها كامل الإقليم الوهراني (باستثناء مدن وهران، مستغانم وأرزيو) والعاصمي وبعض مناطق الشرق والجنوب. جمع الأمير عبد القادر أراضيه ووضع سياسة صارمة، وحد الشعب إدارياً لمواجهة المستعمر الفرنسي. وفي 31 يناير 1838، تم الانتهاء من بناء مدينة وهران كبلدية كاملة.

 

عن Bassem19

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *